أبي حيان التوحيدي
297
المقابسات
أكذب الناس ! فتعجبنا منه ! فدارت الأيام حتى ترعرع الغلام وبلغ وخرج شاعرا كما ترى ، معدودا في عصره ثم أنشدنا له مستحسنا : وتأخذ من جوانبنا اللّيالى * كما أخذ المساء من الصّباح أما في أهلها رجل لبيب * يحسّ فيشتكى ألم الجراح ؟ أرى التّشمير فيها كالتّوانى * وحرمان العطيّة كالنّجاح ومن لبس التّراب كمن علاه * وقد تخدعك أنفاس الرّياح وكيف يكدّ « 1 » مهجته حريص * يرى الارزاق في ضرب القداح ثم أنشدتها ابن نباتة فأقر لي بها وقلت لأبي سليمان يوما : أنشدنا أبو زكريا الصيمري عن ابن سمكة القمي عن ابن محارب الفيلسوف لنفسه : صدفت عن الدنيا على حبّى الدنيا * ولا بدّ من دنيا لمن كان في الدنيا وأدفعها عنّى بكفّى ملالة * وأجذبها جذب المخادع بالأخرى فقال : هذا كلام رقيق الحاشية ، حسن الطالع ، مقبول الصورة ، يدل على ذهن صاف ، وقريحة شريفة ، واختيار محمود ، وذهن ناصع ، ورأى بارع . ثم انظر إلى قول شيخنا أبى زكريا يحيى بن عدي « 2 » فإنه أنشد يوما لخالد الكاتب « 3 »
--> ( 1 ) في الأصول : يلذ . والصواب عن اليتيمة ( 2 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 144 ( 3 ) هو أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب البغدادي . خراساني الأصل . وكان من كتاب الجيش . وكان شاعرا بليغا ذا مقطوعات مستجادة . ومن الغريب أن صاحب الأغانى قال عنه في الجزء التاسع عشر من كتابه أن أخباره مضت . مع أنه ليس له فيما مصى من أجزاء الأغانى أي خبر . وقد ذكر في الجزء الحادي والعشرين . ولخالد قطع من الشعر في وصف سر من رأى ، وقطع في هجو بعض الشعراء أمثال أبى تمام والحلبي . كما له شعر يتغنى به . ومن ألطف ما هجا به الحلبي قوله : تاه على ربه فأفقره * حتى راه الغنى فأنكره فصار من طول حرفة علما * يقذفه الرزق حيث أبصره - يا حلبيا قضى الاله له * بالتيه والفقر حين صوره لو خلطوه بالملك وسخه * أو طرحوه في البحر كدره وكان محمد بن عبد الملك الزيات ولاه الاعطاء في الثغور فخرج فأصيب بخلط ووسوس ولم ينتفع به بعد ذلك . وتوفى سنة 270 ه